الفساد السياسي والمحاصصة وأزمة البيئة في العراق: وزارة البيئة بين ضعف المؤسسات وثقل التحديات .

يمثل الفساد السياسي ونظام المحاصصة الحزبية واحدًا من أبرز التحديات التي تواجه بناء الدولة العراقية ومؤسساتها. ولا تقتصر آثار هذه المشكلة على الاقتصاد والخدمات العامة، بل تمتد إلى قطاعات قد لا تحظى بالاهتمام السياسي والإعلامي الكافي، وفي مقدمتها قطاع البيئة. فالعراق يواجه تحديات متراكمة تتعلق بتلوث المياه والهواء، والنفايات، والتصحر والجفاف، وتراجع المساحات الخضراء، فضلًا عن الآثار البيئية للصناعات النفطية والتغير المناخي.

وفي ظل هذه الظروف، تصبح وزارة البيئة مؤسسة ذات أهمية استراتيجية، لا مجرد وزارة خدمية ثانوية. غير أن السؤال الأساسي هو: هل تمتلك الوزارة بالفعل الصلاحيات والموارد والاستقلال المؤسسي الذي يسمح لها بمواجهة هذه التحديات؟

تولت سروه عبد الواحد مهام وزارة البيئة في مايو/أيار 2026 بعد نيلها ثقة مجلس النواب. ومنذ تسلمها المنصب تحدثت رسميًا عن مواجهة التلوث والتغير المناخي، وحماية التنوع الإحيائي، وتحسين إدارة النفايات وتعزيز الرقابة البيئية. كما شاركت الوزارة في ملفات تتعلق بالمياه والتلوث والتعاون الدولي والسياسات المناخية. لكن وجود النشاط الرسمي والاجتماعات والتصريحات لا يكفي وحده للحكم على نجاح السياسة البيئية؛ فالمعيار الأهم يبقى حجم النتائج الملموسة على الأرض وقدرة الوزارة على فرض القوانين والحد من مصادر التلوث.

وتكشف المناقشات البرلمانية نفسها عن جانب مهم من المشكلة. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2026، استضافت لجنة نيابية وزيرة البيئة لمناقشة البرنامج الوزاري والسياسة البيئية والمشاريع المتأخرة وملفات الفساد المالي والإداري. وخلال الاجتماع أشارت الوزيرة إلى غياب التخصيصات التشغيلية للوزارة لعامين متتاليين وإلى النقص الحاد في الموارد البشرية، وطالبت بتعديل قانون الوزارة لتوسيع صلاحياتها التنفيذية والرقابية.

وهنا تظهر مشكلة تتجاوز شخص الوزير أو الوزيرة. فوزارة البيئة التي لا تمتلك التمويل الكافي أو الموارد البشرية أو السلطات التنفيذية الفعالة يصعب أن تكون رقيبًا قويًا على مؤسسات وقطاعات اقتصادية تمتلك نفوذًا وموارد أكبر بكثير منها. وبالتالي فإن ضعف الأداء البيئي يمكن أن يكون نتيجة ضعف بنيوي في الدولة بقدر ما يكون نتيجة أداء القيادة السياسية للوزارة.

وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تخضع إدارة الدولة لمنطق المحاصصة السياسية. فالمحاصصة، عندما تجعل توزيع المناصب مرتبطًا بالتوازن بين القوى السياسية أكثر من ارتباطه بالكفاءة والتخصص والمساءلة، تضعف استقلال المؤسسات. وفي مثل هذا النظام يصبح من الصعب بناء سياسة بيئية طويلة الأمد، لأن القرارات قد تتأثر بتضارب المصالح وتعدد مراكز النفوذ وعدم وضوح المسؤولية السياسية.

أما الفساد، فإن علاقته بالبيئة علاقة مباشرة وليست هامشية. فضعف الرقابة على العقود والمشاريع، والتساهل مع الجهات الملوثة، وسوء إدارة الأموال العامة، أو عدم تطبيق القوانين البيئية بصورة متساوية، يمكن أن يحول الضرر البيئي إلى تكلفة يدفعها المواطن. وقد ناقشت الجهات الرسمية العراقية بالفعل مسألة محاسبة المسؤولين عن الإهمال الذي يؤدي إلى أضرار بيئية وإلزام الجهات الملوثة بإزالة التلوث والتعويض عن الأضرار.

وفي هذا السياق يمكن توجيه نقد مشروع إلى أداء وزيرة البيئة سروه عبد الواحد، لكن هذا النقد ينبغي أن يعتمد على مؤشرات قابلة للقياس: ما المشاريع التي أُنجزت؟ ما الإجراءات التي اتُخذت بحق الجهات الملوثة؟ هل تحسنت الرقابة البيئية؟ ما حجم الأموال المخصصة والمنفذة؟ وما النتائج الفعلية لخطط معالجة النفايات وتلوث المياه والهواء؟

فالقول إن دور الوزيرة «ضعيف» يحتاج إلى قياس أدائها مقارنة بالصلاحيات والموارد المتاحة لها والمدة التي أمضتها في المنصب. وفي المقابل، لا ينبغي استخدام ضعف المؤسسة ذريعة لإعفاء القيادة الوزارية من المسؤولية السياسية. فالوزير مسؤول عن إعلان المشكلات بوضوح، وتقديم خطط قابلة للقياس، ومطالبة الحكومة والبرلمان بالموارد والصلاحيات، ونشر نتائج الرقابة البيئية للرأي العام، وإحالة شبهات الفساد والمخالفات إلى الجهات المختصة.

إن الأزمة البيئية العراقية في جوهرها ليست أزمة وزارة واحدة أو وزير واحد. إنها انعكاس لمشكلة أوسع تتعلق بطريقة إدارة الدولة، وضعف المؤسسات، وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية، وعدم إعطاء البيئة الأولوية التي تتناسب مع خطورة التحديات التي يواجهها العراق.

ولذلك فإن إصلاح الملف البيئي يتطلب الانتقال من منطق المحاصصة إلى منطق المؤسسات والكفاءة، ومن التصريحات والاجتماعات إلى مؤشرات أداء معلنة يمكن للمواطن والبرلمان والإعلام مراقبتها. كما يتطلب منح وزارة البيئة سلطات رقابية وتنفيذية وموارد مالية وبشرية كافية، مع إخضاع الوزارة نفسها للشفافية والمساءلة.

في النهاية، لا يمكن حماية البيئة العراقية من دون مواجهة الفساد وسوء الإدارة، كما لا يمكن تحميل وزيرة البيئة وحدها مسؤولية مشكلات تراكمت خلال عقود. المسؤولية موزعة بين الحكومة والبرلمان والوزارات والسلطات المحلية والمؤسسات الرقابية، إضافة إلى القيادة السياسية لوزارة البيئة نفسها. والمطلوب ليس البحث عن متهم واحد، بل بناء منظومة تجعل المسؤول، أيًا كان انتماؤه السياسي، خاضعًا للقانون والمساءلة، وتجعل حماية الماء والهواء والأرض وصحة المواطن جزءًا أساسيًا من مفهوم الأمن الوطني العراقي.

وەڵامێک بنووسە

پۆستی ئەلیکترۆنییەکەت بڵاوناکرێتەوە. خانە پێویستەکان دەستنیشانکراون بە *